أولا: القرآن أساس مصادر المعرف الإسلامية

تعريف القرآن الكريم:

القرآن لغة : مشتق من قرأ بمعنى تلا، أو من فرى بمعنى جمع. يقول تعالى: { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه} ُالقيامة 18

وشرعا: هو كلام الله تعالى ووحيه المنزل على خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم يلفظه ومعناه، المكتوي في المصحف المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المتحدي بإعجازه، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.

القرآن الكريم مصدر المعرف الإسلامية: 

القرآن الكريم حسم إشكالية الهوية المعرفية للإنسان لأنه البيان المصور والمفصل للكون والإنسان، والمجيب عن كل التساؤلات والمنير لكل القضايا التي تؤهل فكر الإنسان لاكتشاف السنن.يقول تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} ٌ26 النساء.   

المعرفة في القرآن الكريم:

القرآن الكريم يقدم بناء معرفيا متنا يقوم على الاتساق والتكامل بين ظواهر الكون وحقائق الإنسان وغاية الوجود . ويتأسس على دقيق لمصدر المعرف ووسائلها وأنواعها ومجالاتها ومميزاتها:

* مصادر المعرفة: للمعرة مصدران رئيسيان متكاملان:

1- الوحي الإلهي: القرآن والسنة النبوية أي الكتاب المسطور. 2- الوجود الكوني: عالم الشهادة أي الكتاب المنظور.

وبين الكتابين تشابه ووحدة واتساق وتكامل لأنهما ينطلقان بنفس الحقائق ويتسمان بنفس الخصائص حتى أصبح الوحي كون مقروء والوجود الكوني وحي منظور.

* طبيعة المعرفة: المعارف والعلوم ثلاثة أنواع:

1- العلم الفطري : وهو العلم الضروري الذي خلقه الله تعالى مركوزا في فطرة الإنسان ومنه العلم بالبدهيات العقلية وبالله وبالأسماء يقوا تعالى: َ{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين}31 البقرة.

2- علم النبوة: وهو العلم الرباني الذي وصل إلى الإنسان من طريق الوحي: ُ{ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} 3 الشورى.

3- المعارف الاكتسابية : وهي المعارف التي يكتسبها الإنسان من الوحي أو الكون أو كليهما بالحس والتجربة والعقل والحدس، { وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} 78 النحل.

* مجالات المعرفة: للمعرفة في القرآن مجالات كثيرة منها:

1- المجال الطبيعي أو عالم الشهادة: ويدرك بالحواس والتجربة والعقل.

2- المجال الغيبي: وطريق اكتسابه الوحي والعقل السليم يسلم بوجوده .

*خصائص ومميزات المعرفة: يحددها القرآن الكريم وهي كثيرة منها:

- خاصية التوحيد: وهي الغاية العظمى (وحدانية الله تعالى) التي توحد بين كل أصناف المعارف وأنماطها وكل مناهج الاستدلال وطرقه.

- خاصية الوحدة: وحدة الخلق التي تستلزم وحدة النظام والسنن والمنهج، وبالتالي وحدة الحقيقة وإن تنوعت مسالكها وتعددت مناهج طلبها.

- خاصية التكامل: وتعني التكامل بين الوجود والوحي وبين النظر والعمل وبين المعرفة العلمية والمعرفة الغيبية ( مبدأ وحدة الخلق).

- خاصية التعبد: المعرفة في الرؤية القرآنية ليست غاية في حد ذاتها بل يطلب العلم للعمل، ولهذا القصد يرفع طلب العلم إلى درجة العبادة.

- خاصية الإعمار: الأصل في المعرفة أن تسهم في إسعاد الإنسان وإعمار الأرض.

ثانيا: مقاصد القرآن وخصائصه

* مقاصد القرآن: للقرآن الكريم مقاصد سامية وغايات نبيلة من أهمها:

+ هداية العالمين إلى الحق الخير: يقول تعالى: { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيرا}ً9

ومن القواعد السلوكية والمنهجية لمقصد الهداية:

-          القرآن الكريم يحدد قضية الحياة ونظامها.

-          القرآن كتاب هدي للجماعة والفرد.

-          القرآن أنزل للعمل به، لأن قصد العمل به من سنن الفهم.

+ معجزة خالدة ومتجددة: إذا كان القرآن الكريم معجزة خالد ومتجددة فهذا دليل قاطع على ربانية المنهج وصدق الحق سبحانه يقول تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فصلت53 .

+ ذكر مبارك يتلى:  بتلاوة القرآن وتدبر معانيه والعمل به يتقرب الناس إلى الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} 29 فاطر.

+ شرعة ومنهاج:  القرآن الكريم ميزان قسط للحكم بالحق وإقامة العدل بين الناس. { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } 48 المائدة

* خصائص القرآنالكريم:  له عدة خصائص تشير إليها أسماؤه وأوصافه.

القرآن نور:يقول تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِينا} النساءً174.نور بالقرآن الكريم يدرك بالبصيرة التي موقعها القلب الحي السليم ، وله خاصتين :

1- خاصية البيان: يقول تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِ} القمر17. أي أن القرآن الكريم ميسر للفهم ومعارفه وتعاليمه بينة لا لبس فيها ولا غموض.

2-خاصية الشمول والإحاطة: القرآن الكريم يشتمل على كل المعارف والقوانين المحققة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور يقول تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل 89.

ومن القواعد السلوكية والمنهجية لخاصية النورانية:

-التقوى : لأنه شرط لتعلم القرآن وفهمه وتدبره، وكل انحراف أو فساد أو تعلق مفط بالدنيا يؤدي على انسداد القلب عن حقائق القرآن: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد 24

- نور القرآن يرى بعين القلب المسماة البصيرة، والكفر والفسوق حجاب وغطاء وعمى. 

القرآن محكم: يتصف القرآن الكريم بمستوى عال من الإتقان في البناء والقوة في الحجة والدليل، بحيث لا تزيغ به الهواء ولا يأتيه الباطل، قال تعالى:{ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}فصلت 42 ، كما أنه يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا. { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} الزمر23.

ومن القواعد السلوكية والمنهجية لخاصية الإحكام:

- القرآن معجز في علميته وينبغي أن نقصد من فهمه وتدبره اكتشاف المنهج الاستدلالي والبناء البر هاني

-  القرآن يوضح بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ، ومن تصور فيه الاختلاف والتناقض انغلق عليه إدراك وحدة وإحكامه.

ثالثا : الضوابط السلوكية والمنهجية للتدبر في القرآن الكريم

1- مفاتيح الدخول إلى رحاب القرآن : الضوابط السلوكية:

- الوضوء: { لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون} الواقعة 79

- الدعاء والطلب: من أهم مفاتيح  فهم القرآن ووعيه ، أن نستعين بالله تعالى ونطلب منه أن يؤهلنا لبلوغ أفق القرآن وأن يرزقنا فهم.

- الخشوع: لتلاوة تأثير عجيب في إزالة اقسوة والصدإ المتراكم على القلوب بفعل السيآت والشواغل  يقول تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} الزمرٍ23

التدبر هو التفكر والتأمل في الأمر بالالتفات إلى مآله وعاقبته، والعظة والاعتبار والاستجابة لنداء الله .

- المداومة على قراءته: للورد القرآني أثر قوي في تعميق الصلة بالله وبكلامه، خاصة إذا اقترن بصلاة الليل ، لأن قراءة الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على الفهم . قال تعالى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلا } المزمل6.

- تحكيم القرآن: أي اتخاذه مقياسا للحق والباطل ومعيارا لفهم الإنسان وعلاقاته الاجتماعية، وفهم أمور الحياة.

- تحمل هموم العبودية والدعوة على الله:  أي ما يرتبط بعهود العبودية والاستخلاف وأمور المسلمين والدعوة إلى الله تعالى.

2- مفاتيح الدخول إلى رحاب القرآن : الضوابط المنهجية:

- القصد إلى الفهم والعمل: وذاك منهج النبي (ص) في تعليم القرآن الكريم.

- ترتيل القرآن: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} المزملً4

- التكرار والتجاوب مع القرآن:  وهذا تطبيق نبوي عملي ظهر أثره بالتسبيح والدعاء والتعوذ.

- التدبر والتأمل: استعمال المسلم لكل قدراته العقلية والروحية لفهم القرآن وتحصيل علومه 

المدارسة الجماعية: قال رسول الله (ص) " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، بتلون كتاب اتلله ويتدارسونه بينهم ن إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم

الله فيمن عنده".

  درس تطبيقي : أصول المعرفة في القرآن الكريم                                       الشروط العلمية والمنهجية لتدبر القرآن

النص: 1   التحذير من القول في القرآن

الأفكار الأساسية   -    التحذير من  التكلف فيما لا علم له به، وسلوك مسلك غير مأمور به.

-          تحرج أئمة السلف عن الكلام في التفسير فيما يجهلون، أي بما لا علم لهم به.

-          عدم تحرجهم في الكلام في التفسير فيما علموه، أي فيما لهم به علم.

-          الواجب عن كل شخص مسلم أن يسكت عما لا علم له به، والقول فيما سئل عنه مما يعلمه.

النص: 2  هل نجن مؤهلون لتدبر القرآن ؟

الأفكار الأساسية   -    اعتقاد كثير مكن المسلمين بصعوبة فهم القرآن وشعورهم بعدم الأهلية لتدبر ه وخوفهم من القول في القرآن برأيهم.

-          تحذير المسلم من إتباع الهوى في فهم الآيات القرآنية.

-          عدم التصدر للتفسير دون امتلاك العلم أي ما يلزم من شروط وضوابط وأدوات.

-          المتدبر في القرآن يبحث عن الهداية والشفاء والمعنى والعلم والعمل فقط.

-          استنباط الأحكام الشرعية والتفسير من اختصاص العلماء.

-          تنفير الشيطان لعباده من التدبر في القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر.

-          القرآن كتاب هداية وبصائر لكل الناس لأن معظمه واضح وميسر.

المسألة الأولى: معنى التدبر
قال الميداني: "التدبر هو: التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة "

ومعنى تدبر القرآن: هو التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه، وإدارك معانيه، وحكمه، والمراد منه.

المسألة الثانية: علامات التدبر
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم علامات وصفات تصف حقيقة تدبر القرآن وتوضحه بجلاء من ذلك :
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } [(83) سورة المائدة] ،{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ (2) سورة الأنفال ] ، {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [ (124) سورة التوبة] ، {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً* وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [107-109 :سورة الإسراء] ، { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا*} [(58) سورة مريم] ، {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [(73) سورة الفرقان] ،{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [(53) سورة القصص ] ، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [ (23) سورة الزمر] .
فتحصل من الآيات السابقة سبع علامات هي:
1- اجتماع القلب والفكر حين القراءة ، ودليله التوقف تعجبا وتعظيما.      2- البكاء من خشية الله.
3- زيادة لخشوع.                                                                     4- زيادة الإيمان ، ودليله التكرار العفوي للآيات.
5- الفرح والاستبشار.                                                               6- القشعريرة خوفا من الله تعالى ثم غلبة الرجاء والسكينة
7- السجود تعظيما لله عز وجل .
فمن وجد واحدة من هذه الصفات ، أو أكثر فقد وصل إلى حالة التدبر والتفكـــر ، أما من لم يحصل أياً من هذه العلامات فهو محروم من تدبر القرآن ، ولم يصل بعد إلى شئ من كنوزه وذخائره ، قال إبراهيم التيمي : "من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله نعت العلماء فقال : {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [(107-109) سورة الإسراء] ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، إن كل يوم يمر بك ولا يكون لك نصيب ورزق من هذه العلامات ، فقد فاتك فيه ربح عظيم ، وهو يوم حري أن يبكى على خسارته.
المسألة الثالثة: مفهوم خاطئ لمعنى التدبر
إن مما يصرف كثيرا من المسلمين عن تدبر القرآن ، والتفكر فيه ، وتذكر ما فيه من المعاني العظيمة ؛ اعتقادهم صعوبة فهم القرآن ، وهذا خطأ في مفهوم تدبر القرآن ، وانصراف عن الغاية التي من أجلها أنزل ، فالقرآن كتاب تربية وتعليم ، وكتاب هداية وبصائر لكل الناس ، كتاب هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين ، كتابٌ قد يسَّر الله تعالى فهمه وتدبره ،كما قال تعالى : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }[ (17) سورة القمر]
قال ابن هبيرة ’: " ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن ، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر ، فيقول هذه مخاطرة ، حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعا ، وقال الشاطبي ’:" فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء ، وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله ، فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ، ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى.

إن الصحيح والحق في هذه المسألة: أن القرآن معظمه واضح ، وبين وظاهر لكل الناس ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه : "التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، ومعظم القرآن من القسمين الأولين .
إن عدد آيات الاحكام في القرآن 500 آية ، وعدد آيات القرآن 6236 آية.

إن فهم الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والعلم بالله واليوم الآخر ؛ لا يشترط له فهم المصطلحات العلمية الدقيقة ، من نحوية وبلاغية وأصولية وفقهية . فمعظم القرآن بيِّنٌ واضح ظاهر ، يدرك معناه الصغير والكبير ، والعالم والأمي ، فحينما سمع الأعرابي قول الله تعالى : {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [(23) سورة الذاريات] قال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى أقسم . وحينما أخطأ إمام في قراءة آية النحل { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [(26) سورة النحل ] قرأها : من تحتهم ، صوب له خطأه امرأة عجوز لا تقرأ ولا تكتب ، إن القرآن بيِّنٌ واضح ظاهر ، وفهمه وفقهه وتدبره ليس صعبا بحيث نغلق عقولنا ، ونعلق فهمه كله بالرجوع إلى كتب التفسير ، فنعمم حكم الأقل على الكل فهذا مفهوم خاطئ وهو نوع من التسويف في تدبر القرآن وفهمه.
إن إغلاق عقولنا عن تدبر القرآن بحجة عدم معرفة تفسيره ، والاكتفاء بقراءة ألفاظه مدخل من مداخل الشيطان على العبد ليصرفه عن الاهتداء به .
وإذا سلمنا بهذه الحجة فإن العقل والمنطق والحزم والحكمة أنك إذا أشكل عليك معنى آية أن تبادر وتسارع للبحث عن معناها والمراد بها لا أن تغلق عقلك فتقرأ دون تدبر أو تترك القراءة

الشروط العلمية والمنهجية لتدبر القرآن الكريم:  لكي يكون التدبر في القرآن الكريم مثمرا ومفيدا ومتكاملا، لابد من أن تتوفر جملة من الشروط في من يتدبره :

1- الملاحظة العلمية الدقيقة .  2- التروي والأناة.   3- التتلمذ على يد القرآن الكريم. 4-  الرجوع إلى المصادر.  5- الثقة بالنفس.  6 -  معرفة لغة العرب.

7- دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. 8 - قاعدة إنزال القرآن على الواقع .